الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

46

مختصر الامثل

يستند منطق إبراهيم عليه السلام هنا إلى منطق العقل القائم على الواقع ، إنّكم تهددونني بغضب الأصنام ، مع أنّ تأثيرها وهمٌ من الأوهام ، ولكنّكم بعدم خشيتكم من اللَّه العظيم الذي نؤمن به جميعاً ، ونعتقد بوجوب اتباع أمره تكونون قد تركتم أمراً ثابتاً ، وتمسكتم بأمر وهمي ، ولم يصدر اللَّه تعالى إلينا أمراً بعبادة الأصنام . في الآية التالية جواب يدلي به إبراهيم على سؤال كان هو قد ألقاه في الآية السابقة ( وهذا أسلوب من أساليب الاستدلال العلمي ، فقد يسأل المتكلم سؤالًا عن لسان المخاطب ثم يبادر إلى الإجابة عليه مباشرة كدليل على أنّ الجواب من الوضوح بحيث ينبغي أن يعرفه كل شخص ) . يقول : إنّ المؤمنين الذين لم يمزجوا إيمانهم بظلم ، هم الآمنون وهم المهتدون « الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ » . الآية التالية فيها إشارة إجمالية لما مضى من بحث بشأن التوحيد ومجابهة الشرك كما جاء على لسان إبراهيم ، فتقول : « وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنهَا إِبْرهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ » . ثم تقول الآية : « نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ » . ولكيلا يخامر بعضهم الشك في أنّ اللَّه يحابي في إعطاء الدرجات لمن يشاء ، تقول : إنّ اللَّه متصف بالحكمة وبالعلم ، فلا يمكن أن يرفع درجة من لا يستحق ذلك : « إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) في هذه الآيات إشارة إلى النعم التي أسبغها اللَّه على إبراهيم ، وهي تتمثل في أبناء صالحين وذرية لائقة ، وهي من النعم الإلهية العظيمة . يقول سبحانه : « وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحقَ وَيَعْقُوبَ » . ثم يبيّن أنّ مكانة هذين لم تكن لمجرد كونهما ولدي نبي ، بل لإشعاع نور الهداية في قلبيهما نتيجة التفكير السليم والعمل الصالح : « كُلًّا هَدَيْنَا » .